صديق الحسيني القنوجي البخاري

89

فتح البيان في مقاصد القرآن

بغير تراخ ، وأما الموت فقد تراخى عن الإحياء ، والإحياء الثاني كذلك متراخ عن الموت إن أريد به النشور تراخيا ظاهرا ، وإن أريد به إحياء القبر فمنه يكتسب العلم بتراخيه ، والرجوع إلى الجزاء أيضا متراخ عن النشور ، انتهى . ولا يخفاك أنه إن أراد بقوله إن الإحياء الأول قد تعقب الموت أنه وقع على ما هو متصف بالموت فالموت الآخر وقع على ما هو متصف بالحياة وإن أراد أنه وقع الإحياء الأول عند أول اتصافه بالموت بخلاف الثاني فغير مسلم فإنه وقع عند آخر أوقات موته كما وقع الثاني عند آخر أوقات حياته ، فتأمل هذا ، وقد أخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة قال لم تكونوا شيئا فخلقكم ثم يميتكم ثم يحييكم يوم القيامة . هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ قال ابن كيسان أي خلق من أجلكم ما فيها من المعادن والنبات والحيوان والجبال والبحار لتنتفعوا به في مصالح الدين والدنيا ، أما الدين فهو الاعتبار والتفكر في عجائب مخلوقات اللّه الدالة على وحدانيته ، وأما الدنيا فهو الانتفاع بما خلق فيها ، وقيل اللام للاختصاص ، وقيل للملك والإباحة ، وفيه دليل على أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل ، ولا فرق بين الحيوانات وغيرها مما ينتفع به من غير ضرر ، وفي التأكيد بقوله جَمِيعاً أقوى دلالة على هذا . وقد استدل بهذه الآية على تحريم أكل الطين لأنه تعالى خلق لنا ما في الأرض ، دون نفس الأرض ، وقال الرازي في تفسيره : إن لقائل أن يقول إن في جملة الأرض ما يطلق عليه أنه في الأرض فيكون جامعا للوصفين ، ولا شك أن المعادن داخلة في ذلك ، وكذلك عروق الأرض وما يجري مجرى البعض لها ، ولأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه اه . وقد ذكر صاحب الكشاف ما هو أوضح من هذا فقال : فإن قلت هل لقول من زعم أن المعنى خلق لكم الأرض وما فيها وجه صحة . قلت إن أراد بالأرض الجهات السفلية دون الغبراء كما تذكر السماء وتراد الجهات العلوية جاز ذلك فإن الغبراء وما فيها واقعة في الجهات السفلية اه . وأما التراب فقد ورد في السنة تحريمه وهو أيضا ضار ليس مما ينتفع به أكلا ، ولكنه ينتفع به في منافع أخرى ، وليس المراد منفعة خاصة كمنفعة الأكل بل كل ما يصدق عليه أنه ينتفع به بوجه من الوجوه ، وأما السم القاتل ففيه نفع لأجل دفع الحيوانات المؤذية وقتلها فلا يراد أنه لا نفع فيه . ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ أي قصد وأقبل على خلقها . وقيل عمد ، وقال ابن عباس ارتفع وقال الأزهري صعد أمره ، وكذا ذكره صاحب المحكم ، وذلك أن اللّه